هل يحق لنا أنْ نتحدث عن «الحقيقة» ونحن تحت نيران الحرب؟
ربما أنَّ هذا هو الوقت الأنسب.. بل الضروري للحديث عنها. ففي زمن الحروب الكبرى والأزمات الخطيرة يتشكل عقل آخر؛ له حقائقه المختلفة عن حقائق العقول التي نراها زمن الاستقرار النفسي والاتزان الاجتماعي. ومع ذلك؛ فإنَّ الحديث عن الحقيقة قديم جداً، ولا أبالغ إنْ قلت بأنَّ البشرية اعتمدت في تطورها المطرد على الحقيقة؛ وأقصد على البحث عنها، وعلى المعتقدات بأنَّها حقائق مطلقة، حتى تشكلت ثلاثة تيارات في الاجتماع البشري:
- تيار «بناء الحقيقة».. وهو التيار الديني، ولأنَّ الحقيقة مستعصية على العقل البشري؛ فكان لابد للدين أنْ يعتمد على مصدر مفارق للعقل، وهو المصدر الغيبي. هذا المصدر الذي اختلفت الأديان في استمراريته، فكثير مِنها قال باستمراريته، سواءً أكان مشاعاً هذا المصدر بين الناس، أم يُصطفى له أناس بأعيانهم. والعديد قال بخاتميته؛ ومِنها الشرائع النبوية الثلاثة. وللحاجة البشرية؛ فقد تواصل لدى بعض مذاهب هذه الشرائع القول بالاستمرارية؛ لاسيما عبر آليات التصوف و«الولاية» و«الإمامة»؛ مِن خلال الإلهام والكرامات، مما يجعل هذا التيار حاضراً في حرب الحقيقة ببناء السردية الذاتية.
- تيار «هدم الحقيقة».. وهو التيار الفلسفي، ولأنَّه يرى الاعتماد الكلي على العقل، والعقل يستمد معرفته مِن الحواس والتجربة والعلم، وقد كشفت هذه المصادر عن تغيّر دائم في معطياتها، فإنَّ الحقيقة لا وجود لها، أو أنَّها غير ثابتة. وهذا التيار يثبت حضوره بهدم سردية الغير.
- تيار «تلقي الحقيقة».. وهو التيار الاجتماعي العريض؛ السائد بين الناس، هذا التيار لا يهمه مصدر الحقيقة، ولا ثباتها أو تغيّرها، ولا وجودها مِن عدمه، إنَّه يستبطن في قرارة نفسه بأنَّ «المسلَّمات الاجتماعية» هي التي تحفظ له توازنه النفسي، سواءً أكان مصدرها الدين أم الثقافة أم المجتمع. هذا التيار الذي يميل إلى تصديق ما يُلقى عليه؛ مُعَرَّضٌ كذلك للتشكيك، فهو مَسرَحٌ للتيارين السابقين. والحروب في هذا الجانب تقوم على الأصلين الديني والفلسفي؛ وعليهما يقوم علم النفس وعلم الاجتماع في ترويج «الحقائق».
الحقيقة؛ وما أدراكما الحقيقة؟ لقد أعيت الإنسان.. في فهمهما والبحث عنها، وفي وجودها ذاته؛ بين مُثبِتٍ لها ومُنكِر. وباختصار.. الحقيقة هي مطابقة الواقع. وبما أنَّ المقال يتطرق إلى الأخبار التي تتداول زمن الحرب، فالحقيقة هنا ما هي إلا الأخبار المتدفقة إلينا؛ والتي نؤمن بأنَّها تطابق الواقع، الإيمان وحده يكفي دون الثبوت أو التثبت. في هذه المنطقة يلعب الجميع لبناء سرديته، فكل أحد يزعم أنَّ ما يقدمه هو الواقع؛ أي الحقيقة.
عندما نتحدث عن الحرب المشتعل الآن أوارها في قلب العالم؛ مِن أذربيجان شرقاً إلى اليونان غرباً؛ شاملة إيران والجزيرة العربية والعراق والشام، فالحديث لا يقتصر على هذه الحرب، فهي امتداد لطوفان الأقصى وما قبله. بيد أنَّه يوجد فارق بينهما؛ وهو وجود «أساس أخلاقي» للطوفان، فالشعب الفلسطيني في ثورته الطوفانية كان يسعى إلى رفع الحصار الطويل عنه، وإلى رَجِعِ حقوقه، وإظهار قضيته للعالم. فحتى الذين كانوا يرون في الطوفان خطأً استراتيجياً في تنفيذه، وخطراً على الشعب الفلسطيني، لا ينكرون الحق الفلسطيني بأصله؛ أمام الادعاءات الصهيونية والطغيان الغربي والممالأة العربية.
أمَّا هذه الحرب فلا يوجد «أساس أخلاقي» لبناء الحقيقة حولها، فكأنما دُمرِّت الحقيقة قبل بدء الحرب العسكرية، وعندما أقول «الأساس الأخلاقي»؛ فلا أحصره في مبررات الحرب وبناء السردية الذهنية لها ولِمَا بعدها، وإنَّما الأمر أبعد.. يتعدى الجانب النظري إلى الجانب العملي؛ أي إلى العمليات التي يقوم بها الطرفان، فلم يتحدد مَن ينفذ بعض هذه العمليات؛ الأمريكان والإسرائيليون أم الإيرانيون، فبعض الضربات التي وجهت إلى المصالح الأمريكية في الخليج واليونان؛ الإيرانيون نفوا تنفيذها.. بل نُشر ما «يؤكد» أنَّ الأمريكان والإسرائيليون وراءها. وكذلك بالنسبة للعمل الاستخباراتي في دول الخليج، فقد أعلن عن وجود خلايا تجسسية وتخريبية للطرفين. وهذا لا يلزم ترجيح رواية على أخرى، وإنَّما يدل على أنَّه لا حقيقة للحرب سوى تدمير الحقائق.
إنَّ فسيفساء الاختلاف والاتفاق والاختلاق المتداخلة بين السرديات التي لا تحصى؛ هي واقعاً حربٌ دراماتيكية على الحقيقة، ولأنَّ الحروب بطبيعتها ليست هدماً فقط، وإنَّما أيضاً تعمل -تحت مطارق الألم الإنساني- على بناء سرديات جديدة، فالحرب -رغم شرورها- هي مخاض للحياة التي تحبل بها حوادثها وتناقضاتها. إنْ شئنا أنْ نقترب مِن الجدل الهيجلي؛ فالحرب على الحقيقة.. هي ديالكتيك لميلاد سردية أخرى؛ مختلفة عمّا سبقها. إنَّ مَن يفعل ذلك -قبل الفلسفة والدين والدولة- هم الناس؛ الذين نراهم بسطاء، والتي أتاحت لنا نوافذ التواصل الاجتماعي أنْ نرى شعورهم وتفكيرهم كل لحظة.
يذهب بعض المحللين إلى أنَّ الحرب القائمة الآن بين الطرفين الصهيوأمريكي والإيراني هي الأكبر عالمياً مِن بعد الحرب العالمية الثانية مِن حيث تأثيرها على المستويين الاقتصادي والسياسي، ومرشحة للاتساع يومياً، وبالتالي؛ تُعد نموذجاً للحرب على الحقيقة.
«كل حربٍ هي حربٌ على الحقيقة».. قانون عام، لا يكاد يحصل خرق له، في كل أنواع الحروب: عسكرية أم سياسية، فكرية أم دينية، اجتماعية أم نفسية، فالحرب.. عنصر أصيل في بُنية الحقيقة. وهذا القانون يعمل طردياً.. فالحرب على الحقيقة تشتد ضراوتها باشتداد الحرب العسكرية، وتتسع باتساعها.
بالنظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي؛ قد نراها اختلافاً عابراً بين مَن يقف مع هذا الطرف ومَن يقف مع الطرف الآخر، وقد تكون أحياناً أقرب إلى «جلسة المعصرات»، و«مقاطع التفاهة الرقمية»، وهذا صحيح؛ لكن ما تخفيه هذه الجلسات والمقاطع وراءها مِن صراع على السردية التاريخية التي تشكّلها الحرب هي أكبر وأعمق. إنَّ كل مغرد أو مشهور أو يوتيوبر أو محلل رقمي يقوم بذلك مِن واقع سرديته -ذات المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية- التي يؤمن بها، ولأجل سرديته التي يطمح إليها. وهي سرديات عديدة متصارعة؛ دينياً ووطنياً وحضارياً، متشابكة بحيث يصعب فهمها؛ إلا بتفكيك عناصرها.
وإذا أتينا إلى الدولة؛ فهي الأخرى تبني سرديتها بالحرب على الحقيقة، وأقصى جهدها أنْ تقوم بذلك. ومِن العبث أنْ تمنع الآخر مِن تقويض سرديتها.. فضلاً عن منعه مِن بناء سرديته. وكل ما عليها إنْ أرادت «الانتصار في معركة الحقيقة» أنْ تضع لنفسها سردية متماسكة؛ بغض النظر عن كونها تحكي الواقع أو تخالفه، ففي الحرب على الحقيقة الأساس -بل كل الأساس- هو تماسك السردية داخلياً، والقدرة على الإقناع بها خارجياً، هذا كل ما تتطلبه الحقيقة لبناء سردية جديدة. فالأفضل للدولة ألا تضيّع وقتها بمطاردة مَن يعمل على تقويض سرديتها، خاصةً؛ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فمطاردتها ليست أفضل مِن مطاردة دون كيخوته لطواحين الهواء.
أما السردية الكبرى فهي التي تعمل عليها أمريكا، إنَّها أكبر حرب على الحقيقة، إلى درجة أنَّها تبني مِن الأكاذيب الفاضحة واقعاً تفرضه على العالم، وهي تستخدم في ذلك أدوات البناء الديني والهدم الفلسفي، منطلقةً مِن خلفيتها الليبرالية التي تؤمن بأنَّها نهاية التاريخ. ورغم أنَّ حربها على إيران خطوة نحو أفول الليبرالية، لكن تُقَدِّمها على لسان كبير البيت الأبيض دونالد ترامب بأنَّها للأجيال القادمة؛ أي في خط الحفاظ على الحضارة الغربية، وهذه هي مغالطة نفسية، مِن قبيل الحرب المتوجه بها إلى الذات، أي أنَّها عملية انتحار حضاري. ومثل ذلك ما صرحت به الناطقة الرسمية باسم البيت الأبيض: بأنَّ إيران (تسعى إلى تدمير الحضارة الغربية). هذا الهدم الذي يُصدَّر به سردية الحضارة الغربية؛ إنْ هو إلا «حرب على الحقيقة.. في زمن الحرب».
نُشر أصلاً في جريدة عُمان.