loading
أحمد بن سعود السيابي.. والحركة الفقهية بعمان

المدارس الفقهية.. تمتعت لدى المسلمين بديناميكية مؤثرة اجتماعياً، وامتلكت قدرة على التأقلم المعرفي مع تحولات المجتمع الذي تسود فيه. و«المدرسة الفقهية».. هي المسلك الفكري الذي تنضوي تحته مجموعة أعمال معرفية متتابعة في المذهب، أثّرت على الاجتماع الإسلامي. وهذا يعني أن المذهب حقل أوسع من المدرسة، إذ قد يضم عدة مدارس، لكل مدرسة مسلكها الفكري الذي يميزها عن المدارس الأخرى، مع اتفاقها على الخطوط العامة في إطار المذهب الذي تنبثق منه. اسُتعمِل هذا المصطلح في عمان حديثاً، ولعل أول من استعمله هو أحمد بن سعود السيابي، ومن أوائل مَن استعمله أحمد بن سليمان الكندي(ت:2000م).

المدارس الفقهية.. تمتعت لدى المسلمين بديناميكية مؤثرة اجتماعياً، وامتلكت قدرة على التأقلم المعرفي مع تحولات المجتمع الذي تسود فيه. و«المدرسة الفقهية».. هي المسلك الفكري الذي تنضوي تحته مجموعة أعمال معرفية متتابعة في المذهب، أثّرت على الاجتماع الإسلامي. وهذا يعني أن المذهب حقل أوسع من المدرسة، إذ قد يضم عدة مدارس، لكل مدرسة مسلكها الفكري الذي يميزها عن المدارس الأخرى، مع اتفاقها على الخطوط العامة في إطار المذهب الذي تنبثق منه. اسُتعمِل هذا المصطلح في عمان حديثاً، ولعل أول من استعمله هو أحمد بن سعود السيابي، ومن أوائل مَن استعمله أحمد بن سليمان الكندي(ت:2000م).

في «السياسة بالدين».. تحدثتُ عن أهم المدارس الفقهية ذات الدور السياسي الفاعل في عمان، وبالتتبع وجدتها ست مدارس كبرى: المدرسة الجابرية؛ وعميدها جابر بن زيد الأزدي(ت:~93هـ)، وهي مدرسة في طبقة التابعين، حيث لم تنبثق من المذهب الإباضي، وإنما المذهب انبثق منها. والمدرسة الرستاقية؛ وعميدها أبو محمد عبدالله بن محمد ابن بركة البَهلوي(حي:342هـ). والمدرسة النزوانية؛ وعميدها أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي(حي:361هـ). والمدرسة الشقصية؛ وعميدها خميس بن سعيد الشقصي(حي:1070هـ). والمدرسة البونبهانية؛ وعميدها أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي(ت:1237هـ). والمدرسة السالمية؛ وعميدها عبدالله بن حميد السالمي(ت:1332هـ). تتبع هذا الخط التأريخي مهم لفهم الأثر الذي أحدثه الإسلام في عمان؛ لاسيما في الجانب السياسي، من خلال الحركة الفقهية، وهو الأثر الأكبر الذي يفوق بتقديري الأثر العلمي، بل إن الجانب العلمي صدىً للجانب السياسي.

حديثي.. يتعلق بالتحولات التي تحدث الآن فيما أسميته بـ«ما بعد المدرسة السالمية»، وقد قلتُ في «السياسة بالدين»: (يشهد هذا التوجه تطوّراً معرفياً بحيث أصبح يقدم رؤية لـ«ما بعد المدرسة السالمية»، فالتحولات الجارية في الساحة الفكرية الإسلامية فرضت على العمانيين أن يجددوا في رؤيتهم، وهذا أمر طبيعي، في ظل المراحل التي مرت بها عمان، حيث استطاعت أن تواكب تطورات الاجتماع البشري وهيكلة الدولة والتجدد في المناهج العلمية، من خلال المدارس الفقهية التي ذكرتها في هذا الكتاب). فعلى الرغم من أنه لم تظهر حتى الآن مدرسة أخرى، وهذا رأي السيابي كما أحفظه عنه، إلا أنه لا يمكننا أن نغض الطرف عن التوجه الجديد الذي لا يمكن أن نحسبه على «المدرسة السالمية»، وإن لم يتبلور بعد في توجه مدرسي مستقل. ومرة أخرى.. نجد للسيابي تأثيراً في هذا التحول. فمن هو أحمد السيابي؟

أحمد بن سعود بن سعيد السيابي.. ولد عام 1954م، في بلدة نفعا بولاية بدبد من داخلية عمان. تلقى دراسته الأولى فيها، ثم انتقل للدراسة في مسجد الخور بمسقط عام 1970م حتى 1973م، كما أنه التحق بالتعليم النظامي، وكان من أوائل من حصل على الشهادة الثانوية العامة في سلطنة عمان، ثم واصل دراسته حتى نال درجة الماجستير. وخلال وجوده المبكر في مسقط تلقى علومه الدينية والعربية والتاريخية، وتعرّف على الوسط الفقهي بمشايخه الأجلاء، وتمكن أيضاً من معايشة التحول الكبير في بداية النهضة العمانية الحديثة.

1970م.. انتقل إلى مرحلة العمل، بدأها بوظيفة كاتب في الصادر والوارد بوزارة التربية والتعليم، ثم عمل في مكتبة المعهد الإسلامي بالوطية، وكانت هذه المرحلة من أغنى مراحله المعرفية، فقد جاءت إثر تمكنه من العلوم التأسيسية لينطلق بعدها عصامياً في التحصيل العلمي، وفي 1977م انتقل للعمل بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ مبتدئاً بوظيفة رئيس قسم العلاقات العامة، منتهياً بأمين عام بمكتب المفتي العام للسلطنة، خلال هذه المدة توثقت صلته بالحقل الديني، عبر زياراته داخل السلطنة، ورحلاته إلى خارجها، لاسيما الجامعات؛ ليلتقي بالطلبة العمانيين، وقد ظل تواصله هذا محدوداً في نشر أفكاره لأسباب سأذكرها. وصلت كتب السيابي حوالي 25 مؤلفاً، وكتب ما ينوف على 70 مقالاً. حتى 2010م كان السيابي مقلاً في التأليف، ثم انطلق بعدها للكتابة لتظهر شخصيته الفكرية، ولا يزال يتحفنا بآرائه المفيدة لهذه المرحلة التي تشهد تحولاً واضحاً في الشأن الديني.

عرفتُ السيابي منذ صغري في الثمانينات الميلادية، عندما كان يزور مع بعض المشايخ الكرام جدي القاضي علي بن ناصر المفرجي في بيته ببَهلا، ثم قرأتُ كتابه «الرفع والضم في الصلاة»، وفيما أحفظ هو أول كتاب صدر له. ثم اطلعت على عموم إنتاجه العلمي، كما أن عَمَلَنا معاً في مكتب المفتي العام للسلطنة ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية مدة طويلة، مع اللقاءات الفكرية والأعمال المعرفية التي اشتركنا فيها، والأسفار التي جمعتنا، أتاح لي الاستفادة من علمه وفكره، بالإضافة إلى كونه مدرسة خُلُقية؛ منها: التواضع والكرم وتفهّم الناس والقدرة على تحليل أفكارهم، وأزعم بأني مِن أعرف الناس بالسيابي في مناطات تفكيره وتأصيل مسائله وأبعاد رؤيته.

مع انتشار الإنترنت نهاية التسعينات بدأت مرحلة المراجعات الفكرية على المستوى الديني، وكانت البداية حواراً مذهبياً، ليتطور إلى مراجعة منهج المذهب نفسه، أي تحولت من جدل خارجي مع المخالف مذهبياً إلى مراجعة داخلية لنقد البنية التي يقوم عليها المذهب، وهذا أمر حصل في عموم المذاهب الإسلامية. وكانت الأفكار التي يطرحها السيابي، وحواراته مع شباب ذلك الجيل؛ وإن بدت بأنها لا تختلف كثيراً عن السياق العام، إلا أنها أرست تقليداً أخلاقياً وعلمياً، وهو النقاش الحر. فالسيابي.. مستمع جيد، حكيم في الحوار، لا يصادر رأي مخالفه، وكثيراً ما يقول لمُجالسه: راجع المسألة، وفكّر فيها. بل كان هو بنفسه يراجع أفكاره ويرجع عن بعضها، ويقول: لقد نظرت في المسألة وأرى بأنها كذا. مخالفاً لما طرحه. وكان يقول: الإنسان ينبغي ألا يُقطَع التواصل معه بسبب أفكاره، فلعل ما يراه اليوم صواباً يرجع عنه غداً. هذه الأخلاق العلمية شقّت طريقاً جديداً أمام جيل الشباب للتحول إلى مرحلة جديدة، طريقاً لم يكن مألوفاً حينها في ظل الحماسة للتوجه الديني.

والسؤال: لماذا كان السيابي قليل الإنتاج العلمي قبل عام 2010م؟

بالأساس.. السيابي يرى أن التأليف ينبغي أن يكون بعد سن النضج الفكري وهو الأربعين، وقد علّله بعمر بعث الأنبياء الكرام، وعلى هذا كان ينبغي أن ينشط في التأليف مع بداية الألفية، ولكن لارتباطه الوظيفي تأخر حوالي عقد ونصف. أما السبب الآخر.. فيما أرى؛ عائد إلى سيادة «المدرسة السالمية» التي اعتمدتها الدولة الحديثة مرجعية دينية لها، وتحت الزخم الذي نالته؛ كان من الصعب أن تظهر أفكار أخرى، ومنها فكر السيابي. وأكد هذا وجوده في المؤسسة الدينية الرسمية صُلْب التفكير السالمي المعاصر، مما صعّب عليه أن يقدّم رؤيته الخاصة، خاصةً.. في تلك المرحلة التي تبنت فيها الدولة توحيد الرؤية الوطنية. ولمّا بدأت بوادر الطرح المنهجي الجديد تظهر لدى الجيل الجديد من المشتغلين بالمعرفة الدينية، والتي دشنها «الإيمان بين الغيب والخرافة»؛ صدر 2007م، و«السنة.. الوحي والحكمة» صدر 2009م، وكان مؤلفو الكتابين ممن تداولوا أطروحاتهم معه، فإن ذلك كان مؤذناً له بتقديم رؤيته المستقلة، التي شكلت -بنظري- خط المنتصف بين مسار «المدرسة السالمية»، ومسار الطرح الجديد الذي أرى فيه إرهاصات «ما بعد المدرسة السالمية».

اليوم.. طَرْحُ السيابي يشكّل خطوة واسعة في عرض رؤيته، ويقدّم توازناً يحتاجه المجتمع العماني وهو يتحول لـ«ما بعد المدرسة السالمية». وأستطيع القول بأن السيابي هو الأوسع إدراكاً للمعرفة الفقهية بعمان، وبابتكاره التقسيم المدرسي للمذهب أعدّه قد رسم خارطة السير للتحولات الفكرية فيها، وهو تغيّر يحتمه الواقع، وما أرجوه هو أن يحصل بالتي هي أحسن، وإلى ما هو أفضل.

  • تاريخ نشر المقال الأصلي: 2022-08-08
  • تاريخ نشر المقال بالمنصة: 2022-12-22
  • رابط المقال الأصلي: انقر هنا