loading
الكتابة الشعبية.. وأثرها السياسي

الإنسان.. ابن الكلمة، والكلمة هي التجلي الأعلى لوعيه عبر الحياة، وقد عبّر أولاً عنه بالكلمة المنطوقة، دهراً طويلاً، ثم ارتقى لينقل وعيه وتجاربه إلى الأجيال اللاحقة بالكتابة، والتي أخذت أيضاً أمداً في تطورها من الرسم إلى الحرف، وما إن دخلت البشرية طور الكتابة المنتظمة حتى كان الإنسان ناضجاً في قدرته على التعبير عن مشاعره ومعاني الحياة من حوله، متمكناً من التعبير عن علاقته بمكوناتها وأبعادها، بما في ذلك صلواته وتعبده لخالقه، ومعتقداته وأساطيره، ومعارفه وآدابه.

الإنسان.. ابن الكلمة، والكلمة هي التجلي الأعلى لوعيه عبر الحياة، وقد عبّر أولاً عنه بالكلمة المنطوقة، دهراً طويلاً، ثم ارتقى لينقل وعيه وتجاربه إلى الأجيال اللاحقة بالكتابة، والتي أخذت أيضاً أمداً في تطورها من الرسم إلى الحرف، وما إن دخلت البشرية طور الكتابة المنتظمة حتى كان الإنسان ناضجاً في قدرته على التعبير عن مشاعره ومعاني الحياة من حوله، متمكناً من التعبير عن علاقته بمكوناتها وأبعادها، بما في ذلك صلواته وتعبده لخالقه، ومعتقداته وأساطيره، ومعارفه وآدابه. ومن أهم ما تمكن منه سياسة الناس بالأنظمة والقوانين والشرائع المكتوبة، وكان من أعمقها أثراً ما خلّفته الأمم البائدة من شرائع كالحضارات السومرية والأكدية والبابلية، وفي مقدمتها شريعة حمورابي (سادس ملوك بابل، حكم: 1792-1750ق.م)، التي تحولت إلى «كتابة شعبية» استمرت مؤثرة لأكثر من ألف سنة، والعديد من موادها تضمنتها الشرائع التي أعقبتها، ثم أصبح ذكرها مع انتشار الطباعة على لسان كثير من الناس. ثم ظهر العديد من الكتب دونت بأسلوب «الكتابة الشعبية»، تركت أثرها العميق في المجتمعات البشرية.

«الكتابة الشعبية».. شكّلت جسر عبور للأفكار إلى عموم الناس، ففي حقلنا الإسلامي -مثلاً- كانت مدونات أهل الحديث ثم مؤلفات أهل الفقه هي الأقرب إلى نفوس الجماهير، فصنعت عقولهم، وصاغت معتقداتهم، بل دفعت مجاميع منهم بحماسة إلى أتون الصراعات، استغلالاً من السياسي بما يفطنه من قدرة هذا الخطاب على تجييش الجموع وإثارة الحمية في النفوس. في حين.. لم تتمكن من ذلك كتب الجدل الكلامي والتنظير الفلسفي؛ ذات اللغة الجافة والمصطلحات المغلقة، المتعالية على عموم الناس، ولذلك؛ لم يصمد المعتزلة طويلاً في الساحة الإسلامية، في حين.. بقي أهل الحديث والفقه متسيدين الواقع الإسلامي حتى الآن. كما أن الفكر الفلسفي لم يؤثر كثيراً على المجتمع المسلم المولع بما تطرحه «الكتابة الشعبية». وهذا لا يعني أن فكر المتكلمين والفلاسفة لم يلج إلى ثقافة الاجتماع المسلم، بل ولج كثير منه؛ لكن غالباً على رافعة «الكتابة الشعبية».

«الكتابة الشعبية».. مصطلح معروف قديماً، وإن استعمل في غير هذا المجال، وإطلاقي له على هذا النوع من التآليف؛ لا يعني أنها ليست ذات قيمة علمية، بل لها قيمتها من الحقول والمناهج التي كتبت بها، كما أن المصطلح لا يحمل أي استنقاص، إنما هو توصيف للأسلوب الذي كتب به فحسب، فمثلاً.. كتاب «الأمير» وقد سطّره مكيافلّي بهذا الأسلوب، يحتوي على وقائع تأريخية مهمة، لا يمكن وصفها بعدم القيمة، كما أن طرحه ليس هامشياً، بل هو يستبطن العمق إلى حدِّ الخطورة، ولذلك.. أصبح «الأمير» مستند كثير من الحكام، في عصور متوالية، وإلى هذا العصر.

إن ما أقصده بـ«الكتابة الشعبية» هو قدرتها على النفاذ إلى قلب الاجتماع البشري، فهي تلهب عواطف قرّائها، وتقرّب لهم الفكرة، وتغيّر من سلوكهم، دون أن يبذلوا جهداً عقلياً كبيراً، فالناس.. بغالب طبيعتهم مقلِّدون، وعندما يجدون السبيل ممهداً ينسابون كالماء نحو أفكار هذه الكتب النازلة لإدراكهم.

من أهم ما تميزت به «الكتابة الشعبية»:

- وضوح اللغة.. فلا يعمد الكاتب إلى المصطلحات المنغلقة على الفهم؛ لاسيما المترجم من اللغات الأخرى، وإنما يستعمل الكلمات الدارجة على الألسن والمصطلحات المتداولة، فلا يجري مداد قلمه بلغة متقعرة، ولا تستعرض ذاكرته الألفاظ المعجمية القابعة في أرفف المكتبات.

- سهولة الأسلوب.. فالكاتب يملك قدرة فائقة على مخاطبة الناس بأسلوب قريب منهم، فهو تارة يناغي عواطفهم، وأخرى.. يُشطِح خيالَهم بفرائد من موروثهم وثقافتهم، وثالثة.. يقدم فكرته في قصة أو بيت شعر أو نص ديني، كما أنه يراجع نصه فيزيل منه الخشونة، ويمهده للسالك من بعده.

- الانطلاق من المعتقد.. فهو يكتب ما اقتنع به، وبمداد إيمانه تندفع الكلمة من قلمه. فأفكاره ليست تنظيرية أو منهجية أملاها عليه اشتغاله بالبحث العلمي. وإن كتب متأثراً بمناهج معينة؛ فلا يكتب إلا بعد أن يهضمها هضماً تتشبع به نفسه، وتصبح جزأً من تفكيره، بل تغدو هي الفكرة التي يدافع عنها، فما يحمله على الكتابة؛ ليست الكتابة ذاتها، وإنما رغبته الشديدة لتبليغها للناس، وتحويلها إلى مشروع يقوم على أرض الواقع.

لقد أدرك كثير من المشتغلين بالفكر أهمية «الكتابة الشعبية»؛ فعملوا على تسهيل الكتب الثقافية والفلسفية والعلمية والمنهجية، وأصدروا منها «ملخصات شعبية» ونشروا لها «طبعات شعبية».

المقال.. يكتفي بذكر مثالين على هذا الأسلوب:

- «الأمير».. لنيقولا مكيافلّي (ت:1527م)، ألّفه عام 1513م. أهداه إلى الأمير الإيطالي لورينزو الثاني دي ميديشي، ليكون نهجاً له في سياسة إمارته. والكتاب.. من أوسع الكتب السياسية انتشاراً في العالم، ولا يكاد سياسي أو مثقف لم يقرأه، وقد اتخذه كثير من الحكام «دستوراً قيمياً» لإدارة عملهم السياسي، فهو يبرر العديد من المواقف التي قد يتخذها السياسي دون مراعاة كبيرة للأخلاق، بل الكتاب نفسه يصطنع «قيماً خاصة» للسياسية. ومن أشهر المقولات انتشاراً، وقد أصبحت على كل لسان؛ عبارته «الوسيلة تبرر الغاية». ورغم أن مكيافلّي قالها في موقف سياسي محدود تواجهه الدولة، إلا أنها تحولت إلى مقولة عالمية، ليست حكراً على الحقل السياسي، وإنما اصطبغت بها حركة الحياة اليومية. ومن العجيب أن الناس تذم الكتاب وصاحبه، ثم تنساق عملياً وراء طروحاته.

الكتاب.. لم يكن بحثاً علمياً، وإنما هو تدوين لتجارب سياسية خاضها مكيافلّي بنفسه أثناء اشتغاله بالسياسة، أو اقتبسها من حركة التاريخ السابق عليه، ولكن لقدرته الفائقة بأن يحولها إلى مادة قريبة المأخذ من القارئ استطاع أن يكون مؤثراً في السياسة خصوصاً، وفي الاجتماع البشري عموماً. ورغم مرور القرون عليه، وتطور اللغة وأساليبها، وتقلّب الأفكار؛ إقبالاً وإدباراً، إلا أن الكتاب ظل محافظاً على زخمه في الانتشار بين اللغات.

- «كفاحي».. لأدولف هتلر (ت:1945م)، ربما يأتي بعد «الأمير» بتأثيره السياسي، خاصةً.. أنه جاء في العصر الحديث، ويتطرق إلى أحداث كبرى لا زالت تداعياتها قائمة في عالم السياسة. ألّفه هتلر خلال عامي 1925-1926م، ليحكي كفاحه في تأسيس النازية، بأسلوب المذكرات الشخصية. ورغم أن النازية نظرية شمولية، أسست فكرياً للعنصريات التي جاءت بعدها، إلا أن «كفاحي» كُتِب بلغة سهلة، استطاع عموم الناس فهم طروحاته، بل والتحمس لها، بما في ذلك الطلاب على مقاعدهم الدراسية. ولخطورة طرح «كفاحي» وقوة تأثيره؛ حرّم قراءته المناهضون للنازية والعنصرية بكافة أشكالها، إلا أنه واصل انتشاره في العالم، وقد طبعت منه ملايين النسخ.

تطرق هتلر في «كفاحي» إلى مراحل صعود خطه السياسي عبر «حزب العمال الألماني الوطني الاشتراكي»، متكئاً على طرحه المناهض للشيوعية واليهود والديمقراطية بصيغتها الرأسمالية، وهذا ما جعل كتابه سريع الانتشار، فهو يواجه أعتى ثلاث حركات عالمية حينها، وكان المجتمع الغربي ذاته في وَجَل منها. وهذا الطرح لم يقتصر على الكتابة النظرية؛ بل كان الإعلام الألماني حينها يعمل وفقاً لادعاءاته، ويبشر به سبيلاً لنهضة ألمانيا وهيمنتها عالمياً. وأزعم بأنه لولا «كفاحي» وانتشاره الشعبي في المجتمع الغربي لربما لم تستطع النازية أن تحرز ما أحرزته من انتصارات كاسحة، جعلت الغرب ممثلاً في الديمقراطية والشرق في الشيوعية يتعاونان على هزيمة النازية. ومع ذلك بقي «كفاحي» ملهِماً لكثير من حكام العالم في إدارة أنظمتهم السياسية.

هناك كتب كثيرة تندرج ضمن هذه الكتابة، سأتحدث في مقال قادم عن كتابين أثّرا بقوة على المسلمين؛ أحدهما أثر على البنية الفكرية لتيار الإسلام السياسي، والثاني على الجانب العملي لمسلك العنف لدى هذا التيار.

  • تاريخ نشر المقال الأصلي: 2022-08-01
  • تاريخ نشر المقال بالمنصة: 2022-12-22
  • رابط المقال الأصلي: انقر هنا