loading
سور بَهلا.. قراءة في أقدم وثائقه

سور بَهلا.. مفخرة الحضارة العمانية الضاربة في القدم، وفي مقالي.. «سور بَهلا.. مقاربة في النشأة والبقاء» المنشور في «جريدة عمان» بتاريخ: 14/3/2022م، وفي غيره، ذهبت إلى أنه بُني في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والمحيّر أن ذكره في الوثائق جاء متأخراً. والمقال.. يسلط الضوء على أقدم وثائقه التي وصلت إلينا، تضمنها كتاب «منهاج العدل» لعمر بن سعيد ابن معد البَهلوي(ت:1009م)، أهم وثيقة تعود إلى العهد النبهاني في عمان، وهو عهد خفي كثير من معالمه، والكتاب موسوعة فقهية، غني بالمادة التاريخية عن بَهلا خاصة وعمان عامة، ولذلك؛ اهتممنا في مكتبة الندوة العامة بتحقيقه، ونرجو الله أن يرى النور قريباً.

سور بَهلا.. مفخرة الحضارة العمانية الضاربة في القدم، وفي مقالي.. «سور بَهلا.. مقاربة في النشأة والبقاء» المنشور في «جريدة عمان» بتاريخ: 14/3/2022م، وفي غيره، ذهبت إلى أنه بُني في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والمحيّر أن ذكره في الوثائق جاء متأخراً. والمقال.. يسلط الضوء على أقدم وثائقه التي وصلت إلينا، تضمنها كتاب «منهاج العدل» لعمر بن سعيد ابن معد البَهلوي(ت:1009م)، أهم وثيقة تعود إلى العهد النبهاني في عمان، وهو عهد خفي كثير من معالمه، والكتاب موسوعة فقهية، غني بالمادة التاريخية عن بَهلا خاصة وعمان عامة، ولذلك؛ اهتممنا في مكتبة الندوة العامة بتحقيقه، ونرجو الله أن يرى النور قريباً.

«منهاج العدل».. خصص باباً مستقلاً لأحكام السور بعنوان «باب في بناء السور.. سور البلد وأحكامه»، كما أن أبواباً أخرى منه تناثرت فيها أحكام عن الأسوار. ومن الأسوار التي ورد ذكرها فيه: سور منح، وسور الحورة بنزوى، وسور القريتين بإزكي. وذكر مجموعة من القضاة الذين أصدروا أحكاماً في الأسوار، خاصةً.. سور بَهلا؛ منهم: أحمد بن مداد، وعبدالله بن مداد بن محمد، وأبو القاسم بن محمد ابن أبي سعيد، وأبو الحسن بن محمد بن سليمان، ومحمد بن علي ابن عبدالباقي، وعبدالله بن محمد بن سليمان، وربيعة بن عبدالله بن عمر، وصالح بن محمد ابن عبدالسلام، ومحمد بن عبدالله ابن أبي علي، وعبدالله بن عمر بن زياد، وورد بن يمان.

وفيه.. ورد استعمال مصطلح «الأزلي غير المُحدَث» وصفاً (للسور المحيط بالبلد)، ويقصد به السور العتيق الذي لا يُعرف تأريخ بنائه، واللافت للنظر.. مفارقة هذا المصطلح الفقهي لمقررات «علم الكلام» التي تمنع عادةً إطلاقه على المخلوقات، باعتبارها محدَثة؛ أي مخلوقة من قِبَل الله. وفي هذا أيضاً ما يؤكد بأن بعض الأسوار العمانية كسور بَهلا بُنيت قبل الإسلام فلو بُنيت في عهده لرصدها التدوين الفقهي، للحاجة إلى الأحكام الحادثة نتيجة بناء هذه الأسوار الكبيرة.

لقد نشأت لسور بَهلا أحكام تتعلق به، تناقلها الفقهاء والقضاة حتى أطلقوا عليها «السنة السالفة الإسلامية»؛ أي السنة التي مضى عليها الفقهاء استنباطاً من الشريعة الإسلامية، يقول الفقيه أحمد بن مداد: (إن السنة السالفة الإسلامية المذكورة عندنا في بناء سور بَهلا)، فكأنه أصبح للسور سنته الماضية التي لا تجوز مخالفتها، ومنها «السنة الإسلامية المدروكة»، و«السنة السالفة الإسلامية المدروكة»، ولا يجوز تغييرها إلى يوم القيامة على حد تعبير الفقيه أبي القاسم بن محمد الإزكوي: (هذه السنة الإسلامية ثابتة إلى يوم القيامة)، بل اعتبر السور كالمسجد في أحكامه التي لا يجوز التعدي عليها؛ فيقول: (إن السور مثل المسجد).

لسور بَهلا أوقاف.. يصرف منها على خدمته وصيانته: (من جواب الشيخ الفقيه عبدالله بن مداد بن محمد بن مداد رحمه الله: سألني الشيخ سعيد بن أحمد بن سعيد عن أموال السور.. سور بَهلا، وعن بناء السور، وقد كان في سالفهم المتقدم أن بيادير [جمع بيدار وهو الفلاح] أهل البلد من أهل القسم، يعطون البيادير قوتهم ونفقتهم بغير أجرة من مال السور، فأراد مَن أراد أن يستأجر للسور من مال السور، وتكون نفقة البيادير من مال الهناقرة [جمع هنقري وهو المالك]، سألني: كيف الحكم فيها؛ أعني القولين فيهما؟ الجواب: أن اتّباع ما تقدم في تسليم طعام البيادير من مال السور أسلم وأرفق من أن يترك على الهناقرة شيء لم يكن عليهم). وقد ينفق عليهم من عائد مياه الأفلاج، يقول أحمد بن مداد: (فإن صحت السنة الإسلامية أن بنيان سور بَهلا هو على الماء، ويخدمه البيادير؛ كل واحد على قدر مائه؛ فهو على ما أدرك من السنة الإسلامية، ولا غاية في عدد البيادير... وكذلك؛ إذا صحت السنة في رد الماء لبنيان السور بالبينة العادلة من الأفلاج فهو على ما أدرك من السنة السالفة)، وواضح.. أن المقصود بالبناء صيانته وترميم ما اندثر منه.

وقد تداول الفقهاء مسألة خدمة السور.. على مَن تكون؟ فجواب الفقيه عبدالله بن مداد: (أني اطلعت على هذه المسألة في منثورة من كتب أصحابنا أن بناء السور المحيط بالبلد الأزلي غير المُحدَث يلزم بناه جميع من يكون له بيت في البلد أو مال)، وهناك رأي آخر.. يذهب إلى أن صيانة السور؛ تكون على كل جارٍ له؛ بحسب ما يليه منه، لكن صاحب هذا الرأي رجع عنه إلى القول السابق: (قال عبدالباقي محمد بن علي: سمعت بأن الشيخ العالم الفقيه صالح بن وضاح رحمه الله سأل عنها أولاً فأفتاني أن على كل أحد بناء سوره الذي يليه، ثم رجع عنها إلى رأي الشيخ عبدالله بن مداد)، ويؤكد ابن عبدالباقي على رأي ابن مداد بقوله: (صح عندي وثبت.. أن بناء سور البلد المحيط بها؛ على جميع أهل البلد ممن بنوها وسكنها، وكان له فيها بيت أصل، ولو كان خارجاً في المحال الخارجة من هذا الجدار، ويجمعهم عند الحرب).

ينقل ابن معد في «منهاجه» وثيقة (من خط الفقيه عبدالله بن عمر بن زياد، وهو هذا في معرفة السنة الإسلامية المدروكة في بناء سور بَهلا الخارج المحيط بالبلاد إذا انقضت غالة أمواله عن بناه)، فإذا لم تكفِ «غالة أمواله»؛ أي الدخل العائد من أمواله، فتكمل صيانته من أفلاج البلد والأطوى [جمع طوي؛ وهي البئر] التابعة لبيت المال. ومن الأفلاج التي ذكرها ابن زياد في وثيقته: الميتا والمحدث والضبوب والمقين، ولا يزال الميتا والمحدث حيَين، بخلاف الأخيرين، وقد حددت الوثيقة أجزاء السور التي تقع خدمتها على الأفلاج.

ثم ينقل (من خط القاضي عبدالله بن عمر بن زياد مكتوب أنه وجد بخط الفقيه ورد بن يمان قسمة الأطوى لسور بَهلا)، ويسمي حوالي 34 بئراً، وما على كل بئر من مبالغ تلزمها لخدمة السور، وجملتها (اثنان وستون ألفاً وثلاثمائة)، لكنه لم يذكر العملة النقدية، وهذا إغفال في الوثيقة، ولو إنه ذكرها لربما تمكنا من معادلة هذه المبالغ بعملة اليوم. نرجو الله عند تحقيق الكتاب أن يُتوصل إلى مقاربة بهذا الشأن.

تحتفظ الوثيقة التي قيّدها «منهاج العدل» بعدة أمور؛ منها:

- أسماء بعض الفقهاء والكتّاب المهتمين بكتابة وثائق «نُسَخ» سور بَهلا؛ منهم: الإمام بركات بن محمد، وعبدالله بن عمر بن زياد، وورد بن يمان، ومحمد بن أحمد بن أبي غسان، وجمعة بن عمر بن ربيعة.

- أسماء بعض الذين أوصوا للسور وخدمته؛ منهم: مهرة بنت مغول، وكاملة بنت عمر بن راشد، ومحمد بن سعيد بن خليل العبري، وخلف بن عبدالله بن خلف الدبّاغ، وأحمد بن قاسم بن عمر، وعمر بن راشد.

- أسماء كثير من الأماكن والأفلاج والأطوى والبساتين في بَهلا، بعضها ذهب طي الزمن، وكثير منها لا يزال حياً معروفاً عند أهلها، وبعضها تغيّرت ملكيته.

الزمن.. له أثره في تغيّر الأحوال، وكان للسور نصيبه من عوادي الأيام، فتهدّم كثير من جوانبه، وأهملت أملاكه، وجهلت أوقافه، ولذلك.. أقترح أن تتعاون وزارة التراث والسياحة ووزارة الأوقاف والشئون الدينية ووزارة الإسكان وأهالي بَهلا على حصر ما بقي من وصايا وأوقاف للسور، وتثبيت ملكيتها له، وتنمية هذه الأوقاف، مع تشجيع الناس للتوقيف لصالح السور وخدمته. بل أرجو أن تنشأ مؤسسة للحفاظ على آثار بَهلا؛ سورها وجامعها وحصنها وأفلاجها وسائر مبانيها الأثرية، وأن تخصص هذه المؤسسة صندوقاً وقفياً لتنمية أموال هذه الآثار وتشجيع الوقف لها.

  • تاريخ نشر المقال الأصلي: 2022-07-25
  • تاريخ نشر المقال بالمنصة: 2022-12-22
  • رابط المقال الأصلي: انقر هنا