loading
المؤتمر القومي العربي.. تجدد لابد منه

23-24 يونيو 2022م.. انعقدت في بيروت الدورة الحادية والثلاثين للمؤتمر القومي العربي؛ الذي انضممتُ إليه عام 2012م، وكنت عضواً بأمانته العامة بين 2019-2022م. شهد هذا العام انتخاب أمانة عامة جديدة، لم أرشح نفسي لها، لمبدئي بأن الديمقراطية تستلزم تداول السلطة، ولاعتبارات تعود لوضع المؤتمر ستتضح في المقال. اختير بالإجماع السياسي المصري المخضرم حمدين صباحي أميناً عاماً للمؤتمر، وانتخب 25 عضواً للأمانة.

23-24 يونيو 2022م.. انعقدت في بيروت الدورة الحادية والثلاثين للمؤتمر القومي العربي؛ الذي انضممتُ إليه عام 2012م، وكنت عضواً بأمانته العامة بين 2019-2022م. شهد هذا العام انتخاب أمانة عامة جديدة، لم أرشح نفسي لها، لمبدئي بأن الديمقراطية تستلزم تداول السلطة، ولاعتبارات تعود لوضع المؤتمر ستتضح في المقال. اختير بالإجماع السياسي المصري المخضرم حمدين صباحي أميناً عاماً للمؤتمر، وانتخب 25 عضواً للأمانة. وأعقب الدورة ردود فعل بعضها جاء متحاملاً على المؤتمر، وعلى ما آلت إليه سياساته الآن، وقد تكفّل آخرون بالرد عليها. والمقال هنا.. يؤمن بالرسالة العظيمة التي يحملها المؤتمر ويعمل على تنفيذ رؤيتها وأهدافها، ولذلك يطمح أن يتجدد المؤتمر عبر «نقد الذات»؛ إن صحت العبارة.

في مقال بعنوان «العرب.. والكتلة التأريخية» نشرته «جريدة عمان» مشكورةً بتاريخ: 28/6/2022م، تحدثت عن فلسفة المؤتمر التي تقوم على مفهوم «الكتلة التأريخية» لأنطونيو جرامشي(ت:1937م) المتوفى عن عمر 46 عاماً؛ وعلى دعوة محمد عابد الجابري(ت:2010م) العربَ في الثمانينات الميلادية إلى تبني هذا المفهوم، عندها كان في الأربعينات من عمره؛ جامعاً بين حماسة الفتوة ونضج الفكرة، وكان معظم مؤسسي المؤتمر شباباً، وهذا يعني أن حس الشباب هو المحور الذي دار عليه المؤتمر. لقد واكبتْ انطلاقة المؤتمر تحولات «ما بعد الناصرية»، حيث تأسس عام 1990م؛ أي بعد عقدين من رحيل الرئيس جمال عبدالناصر(ت:1970م)، وهي فترة مقدّرة لتجاوز الصدمة التي أصابت التيار العروبي برحيل زعيم القومية العربية في وقت مبكر من حياته، بل هي صدمة أكبر بالتخلي عن مشروع القومية ذاته من قِبَل أحد ضباطه؛ الرئيس المصري محمد أنور السادات(ت:1981م)، الذي قام بـ«ثورة تصحيحية» لثورة عبدالناصر.

لستُ هنا لبسط الحديث عن وضع المؤتمر والتحديات التي يمر بها، وما يقدمه خدمةً للشأن العربي، خاصةً القضية الفلسطينية، فيكفي.. أنه المؤسسة العربية الشعبية التي تحمل هَمَّ المستجدات على الساحة العربية، بعدما خبا نجم جامعة الدول العربية، وهو كذلك يستقطب من مختلف التيارات العروبية؛ إسلامية ومسيحية، يسارية وليبرالية، حزبية ومستقلة. بل يحضره الخصوم المتحاربون في البلد الواحد، وفيه يلتقون ويطرحون رؤاهم بدون مصادرة. وعموماً.. منجزات المؤتمر أكثر من أن يحصيها المقال. وهذا لا يعني أنه لا توجد مداخلات متطرفة من البعض، لكن هذا من حرية التعبير التي يتمتع بها المؤتمر، بل عمل على ترسيخها في الضمير العربي، وفي مقابل هذه المداخلات هناك أصوات معتدلة، قادرة على التهدئة وتقريب وجهات النظر، يمثلها الأب الروحي للمؤتمر الأستاذ معن بشّور.

هنا.. أسلط الضوء على المؤتمر بكونه يمر بمرحلة أقرب للشيخوخة بمختلف مستوياته، وهي مرحلة تقلقني حقاً. على مستوى العضوية فإن معظم أعضائه أصبحوا شيوخاً؛ مقارنة بطموحات الواقع وتطلعات المستقبل، ولا أبرئ نفسي وقد تجاوزت الخمسين عاماً. وعلى مستوى الفكرة؛ فالناصرية.. هي المهيمنة على فكر كثير من أعضاء المؤتمر، وإني لأدرك موقعها في نفوس القوميين العرب، لكن القومية -وليست الناصرية فحسب- كحركة تحرر لدى أية أمة لمفعولها وقت محدد، ولابد من التجديد في آلياتها بما هو أنسب لهذا العصر، فعبدالناصر نفسه طوّر من آلياته في القومية؛ من الوحدة السياسية الشاملة إلى التضامن العربي. وعلى مستوى العمل.. فقد غدا العديد مما يطرح في جدول أعمال المؤتمر مكرراً، وعلى الرغم من أهمية وخطورة القضايا التي يطرحها كالقضية الفلسطينية ومقاومة التطبيع، ورصد التوجهات التي تتعرض لها الأمة العربية، وإدانة الانتهاكات منها، مع التحرك العملي للتخفيف من وطأتها، إلا أن هناك قضايا أخرى ملحة؛ مثل: نقد مواصلة الرأسمالية تحطيمَ قيم الأسرة وكينونة الإنسانية، وإيقاف عملية هدم هياكل التحرر من نظامها الفرداني، والاستقطاب الدولي في ظل الصعود الروسي والصيني، والتي تحتاج لمعالجة أكثر من نقاش عابر. أعرف مقدار المرارة التي قد تصيبنا من النقد، لكن علينا أن نعترف بالوضع على حقيقته، بغية إيجاد حلول قادرة على نقل المؤتمر لمرحلة تواكب زمنها، وإلا فإنه قد يكون عرضة للزوال.

وفي هذا أيضاً مؤشر بأن بعض المثقفين العرب على مسار الفكر القومي باتوا يعملون بأدوات تأريخية خارج عصرهم، وهنا.. لا أعمم، ولا ألغي الاستفادة من طروحات الماضي؛ فهو لا يذهب دفعة واحدة، إنما يبقى منه ما يؤثر على مسارات الواقع والمستقبل.

بنظري.. أن الحركة القومية -التي قامت في الخمسينات- هي انعكاس للنظريات الشمولية الثائرة على الرأسمالية الاستعمارية وما أحدثته من تشظ في الشعوب، وقد استطاعت القومية العربية أن تطور من نظريتها بما يتناسب مع الوضع العربي، متجاوزة العديد من السلبيات التي وقعت فيها تلك النظريات، لكن ذلك لم يجنبها تحديات الزمن. وكأية نظرية تسود جانباً من عالم البشر، ويكون لها فعل حاسم في حياتهم، فإن ضعف ريحها يخلّف أتباعاً يعملون وفاءً لطروحاتها، بما يتواكب مع راهنهم، ويحصل تأثيرهم بمقدار حاجة الواقع الذي يعيشونه. فاليوم.. نشاهد الشيوعية التي انهارت منذ ثلاثين عاماً بسقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك منظومته واستقلال دوله واتجاهها نحو الرأسمالية، لا يزال تيارها اليساري موجوداً في العالم، وهو مؤثر بالقدر الذي يستطيع مثقفوه أن يواجهوا به غلواء السوق الحر. بل حتى النازية لها أتباعها ومنظّروها، ومحركو جماهيرها بما يرونه مفيداً لهم في التخفيف من سطوة الرأسمالية. والقومية العربية في منطقتها أولى بمواجهة الرأسمالية الغربية؛ لتحررها من المادية الشيوعية وسلامتها من العنصرية النازية.

لقد كان مؤسسو المؤتمر القومي العربي أوفياء للعروبة؛ فقد فكروا بمنطق زمنهم، وأدركوا حجم التحولات التي حصلت في العالم عموماً، وفي المنطقة العربية خصوصاً، وعملوا بما اقتضاه واقعهم، بيد أن ذلك الجيل رحل الكثيرون منه؛ كما رحل العديد من القضايا التي شغلتهم نهاية الألفية الماضية وبداية هذه الألفية.

وهنا لابد أن أتحدث عن الشباب، بكونهم أمل المؤتمر القومي العربي لكي يواصل الطريق في خدمة قضايا الأمة العربية. هناك من يدافع عن المؤتمر بأنه مهتم بالشباب من خلال «المخيم الشبابي»، فأقول: لقد حضرت جميع اجتماعات المؤتمر خلال العشر السنوات الأخيرة، وحضرت إحدى الدورات الشبابية، وقد وجدت فجوة بين الجهتين. لا أنكر اهتمام أمانة المؤتمر بالشباب، إلا أنه لا توجد آلية واضحة للانتقال بهم إلى إدارته.

وبعد.. فإن الأمل معقود على الدورة الحالية للأمانة العامة وأمينها العام المخضرم حمدين صباحي، فهو مع تجربته المكتنزة في العمل السياسي يحمل روح الشباب بطموحه الذي يرنو للمستقبل، وأضع أمامه ثلاث نقاط، راجياً أن تكون منطلقاً لنهضة المؤتمر؛ هي:

- إضافة أعضاء شباب للأمانة العامة؛ أعمارهم ما بين 20 و35 سنة، وأن توكل إليهم مهام تقديم رؤى جديدة للمؤتمر، منها: رؤيتهم للواقع والمتغيّر السياسي، وبعض أوراق العمل، والتواصل مع أترابهم لتكوين قاعدة جماهيرية أوسع، ولكي ينقلوا خبرات الجيل الحالي للمستقبل.

- معالجة الوضع المالي للمؤتمر، وهذا مهم جداً للخروج من أزمته المالية التي تكبّل حركته، والشباب.. قادرون على إدارة مشاريع للمؤتمر في اقتصاد العالم الرقمي، مما سيحافظ على خط المؤتمر المستقل.

- ضم أعضاء جدد للمؤتمر مستقلين؛ خاصةً من الشباب، بحيث يشكّلون أكثر من نصف الأعضاء، وعالم اليوم.. تحركه الأفكار الحرة المبدعة، وشباب العرب.. لا يقلون كفاءة عن غيرهم، فالاعتماد عليهم هو سر التجدد المستمر في الأفكار والأعمال والطموح.

وختاماً.. أشكر الأستاذة رحاب مكحّل، فهي بحق شريان الحياة للمؤتمر، والشكر موصول لكل الأعضاء الفاعلين فيه، وفي مقدمتهم أستاذنا الكبير معن بشور، والرحمة على الدكتور خير الدين حسيب وزملائه الراحلين.

  • تاريخ نشر المقال الأصلي: 2022-07-18
  • تاريخ نشر المقال بالمنصة: 2022-12-22
  • رابط المقال الأصلي: انقر هنا