loading
النظام السياسي.. مقاربة للتجدد والاستمرار

في دراستي للاجتماع العماني الممتد عبر تأريخه الطويل؛ وجدتُ له ستة أطوار كبرى هي: الأول.. ما قبل الألفية الثالثة قبل الميلاد، والثاني.. من هذه الألفية حتى الميلاد، والثالث.. منه حتى الإسلام، والرابع.. من الإسلام حتى اندحار الاستعمار البرتغالي، والخامس.. منذ قيام دولة اليعاربة حتى عام 1970م، والسادس.. منذ تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه الحكم حتى اليوم.

في دراستي للاجتماع العماني الممتد عبر تأريخه الطويل؛ وجدتُ له ستة أطوار كبرى هي: الأول.. ما قبل الألفية الثالثة قبل الميلاد، والثاني.. من هذه الألفية حتى الميلاد، والثالث.. منه حتى الإسلام، والرابع.. من الإسلام حتى اندحار الاستعمار البرتغالي، والخامس.. منذ قيام دولة اليعاربة حتى عام 1970م، والسادس.. منذ تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه الحكم حتى اليوم. هذه الأطوار عُرِف قيام دول فيها، باستثناء الأول؛ لم أعثر فيه على نظام سياسي محدد، ولم تتوفر عنه إلا معلومات قليلة غائمة، لا تسعف بوضع تصور حضاري مترابط، ولذلك اعتبرته طور ما قبل التأسيس. وما وقفت عليه.. أن أول نظام؛ وهو «نظام المدينة الدولة» كان في الألفية الثالثة قبل الميلاد. ثم تراوحت الأنظمة السياسية في باقي الأطوار ما بين إمارات قبلية هشة ودول مركزية مكينة.

ما يهمنا.. هو أخذ العبرة من أحداث الماضي، لاسيما أننا قبل نصف قرن بدأ طور تأريخنا العماني الحالي، وبه انطلقت دولة حديثة قوية؛ ذكّرتنا ببداية الطور الخامس وقيام الدولة اليعربية. المقال.. يحاول أن يعطي مؤشرات عن استمرار الدولة، فهي ما تحتاج للدراسة، لأن الطور قائم ومستمر؛ وسيقطع شوطه الطويل على الأرض العمانية، ولن ينتقل الاجتماع العماني عنه إلا بتغيرات عالمية من المبكر الحديث عنها، فالأوضاع التي قام بسببها طورنا الأخير؛ لا زالت تشكّل القاعدة الصلبة للأنظمة الدولية، وما لم تحدث نقلات نوعية في العالم فلا يلوح في الأفق نظام جديد، والقرن الفائت الذي ولد فيه النظام العالمي الحالي وترعرع؛ سوف يستمر في تأثيره لعقود قادمة، ومع أن التغيرات سريعة لكن الأنظمة السياسية الكبرى وما يستتبعها من منظومات اجتماعية واقتصادية ومعرفية تمتد أمداً طويلاً.

عبدالرحمن ابن خلدون(ت:808هـ).. تكلم عن الحضارة، إلا أن نظريته لا تتنزل على مفهوم الحضارة الحديث، وإنما كان تنظيرها للعمران البشري، وقد طبّقها على بنية الدولة القديمة. أتفق مع النموذج الخلدوني بأن الدولة كائن حي؛ تولد وتنمو، ثم تقوى وتزدهر، ثم تضعف وتموت، وقد قدّر عمرها بأربعة أجيال، فلا يزيد عمرها على مائة وعشرين عاماً، وقد شهد تأريخنا العماني هذه الحالة مرتين، عمر الدولة في كلٍ منهما حوالي القرن:

(الأولى: دولة اليحمد، دامت حوالي مائة عام (177-273هـ)، ابتدأت بإمامة محمد ابن أبي عفان، وانتهت بالإمام الصلت بن مالك الخروصي، وبحدوث الفتنة في آخر عمره، وانقسام عمان إلى حزبين متقاتلين بين النزارية واليمانية، عاد الوضع إلى النزاع والحكومات القبلية اللامركزية، مع التدخلات الأجنبية.

الثانية: الدولة اليعربية، خلال المرحلة الأولى منها، دامت أيضاً حوالي مائة عام (1034-1131هـ)، ابتدأت بالإمام ناصر بن مرشد، وانتهت بنهاية إمامة سلطان بن سيف بن سلطان، وكانت إمامتهم أقوى حكم مركزي وأوسعه على الإطلاق عرفته عمان تم تدوينه تأريخياً، وقد حصلت أيضاً بعد الانقسام الذي عصف بعمان عقب هذه الفترة تدخلات أجنبية من الفرس). [العدوي؛ السياسة بالدين].

لكل بلد أطواره التأريخية، بيد أن هناك ملامح عامة تشترك فيها الأنظمة، منها نظام حكم الأسر الذي ساد العالم، فقد حكم الصين منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد حتى القرن العشرين الميلادي، وتعاقبت عليها حوالي 30 أسرة. وحكم مصر خلال الحضارة الفرعونية حوالي 30 أسرة أيضاً، وفي العهد الإسلامي.. استمر إلى قيام الجمهورية عام 1952م، ومن الأسر التي حكمتها في هذا العهد: الأمويون والعباسيون والفاطميون والمماليك والعثمانيون، ما بين حكم مباشر وتعيين ولاة عليها. أوروبا هي الأخرى حكمها نظام الأسر، وما إن دخل عصر التنوير حتى بدأت الثورات تتخلص منه، ولا يزال قائماً كما في بريطانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا، ومع ذلك.. لم يبقَ على ما كان عليه، فقد أصبحت لهذه الممالك برلمانات ديمقراطية، تدير سياستها الخارجية وتدبر أمرها الداخلي.

بحكم عراقة الدولة في عمان؛ وأن نظامها السياسي قائم منذ خمسة الآلاف سنة، فإن حكم الأسر المعروف بدأ منذ بعد الميلاد، متواصلاً حتى اليوم، وهي كالآتي: الأزد وبنو الجلندى واليحمد والنباهنة واليعاربة وآلبوسعيد، مع استثناءات حكمت من غير هذه الأسر، دون أن تؤثر على الخط العام.

ولقوة النظام الأسري؛ فمع تضعضعه في العديد من البلدان بسبب التحولات العالمية الكبرى؛ ظل محافظاً على وجوده، بل إن بعض المناطق نشأ فيها متأخراً كدول الخليج العربية، مما يعني أن بنية الدولة وهيكلة الاجتماع فيها لم تتغيّر كثيراً بحيث تستغني فيه عنه، بل حتى عندما تضعف فيه الدولة وتسقط؛ قد تعود بحيوية في ظل حكم الأسرة نفسها كآل سعود، حيث قامت لهم ثلاث دول: الأولى (1744-1818م) والثانية (1818-1891م) والثالثة (1902م-اليوم)، وإدراكاً من الدولة القائمة لضرورة التحول؛ فقد دخلت في مرحلة جديدة من البناء، على مختلف الصُعُد؛ السياسية والاقتصادية والدينية والمعرفية.

هذا لا يعني أن النظام الأسري لا تنطبق عليه النظرية الخلدونية التي تحكم الدولة وفق قانون الكائن الحي من الولادة والقوة والموت، فهو لا يزال قانوناً عاماً، يحكم أطوار التاريخ كما يحكم نظام الأسر ونظام الدولة، وإنما لكل نظام منها طبيعته وعوامل ولادته وقوته وموته. فالطور أطول مدة، وقد تحكم فيه أسرة أو أكثر، والأسرة قد تقوم لها دول وتنهار عدة مرات. خلال الستة الأطوار الكبرى التي شهدتها عمان؛ منها أربعة أطوار تعاقبت عليها ست أسر في الحكم، وفي الطورين الرابع والخامس تنافس على الحكم نظامان: السلطاني والإمامي، وقد تشكّلت للنظام الأخير نظرية حكم مدوَّنة.

أما بالنسبة للدول.. ففي كل طور وأسرة تقوم دول عدة، قد تسقط الدولة نتيجة ضعف ومنافسة لها من أنظمة أخرى، بيد أنها تعود مرة أخرى، أو تتحول من فرع لآخر في نفس الأسرة. هذه الأحوال شهدتها الأسرة البوسعيدية الحاكمة؛ التي بدأت بإمامة لتتحول إلى سلطنة، ثم إلى إمامة زمن الإمام عزان بن قيس البوسعيدي (حكم:1285-1287هـ)، لتعود مرة أخرى إلى سلطنة. ثم كادت أن تسقط زمن السلطان تيمور بن فيصل (ت:1965م)، لولا أن الظروف المحلية والدولية ساعدتها على الصمود؛ في ظل معاهدة السيب التي أبرمت عام 1920م، حتى جاء السلطان سعيد بن تيمور فأعاد للأسرة قوتها في الحكم.

فلما تولى الحكم السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور رحمه الله؛ وهو القارئ للتاريخ والواعي بحركته، أدرك أن النظام القديم في إدارة الدولة قد انتهى، فدشّن نظام الدولة الحديثة، وساعدته التطورات العالمية وتهيؤ عمان على مستوى بنية المجتمع على التحول إلى طور جديد، فبنى دولة ذات مؤسسات، وأعاد تشكيل العقل العماني بما يسهّل له هذا التحول الضخم. وهو ما جعل انتقال السلطة إلى ابن عمه مولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله وأدام مجده سلساً، وكما أدرك السلطان الراحل ظروف التحول وضرورة التعجيل به؛ أدرك كذاك جلالة السلطان هيثم حركة الاجتماع البشري فأطلق مرحلة «النهضة المتجددة» للسلطنة، مؤكداً بذلك قوة الدولة واستمرار الطور الحالي مواكباً للتحولات الدولية.

علينا أن نسلّم بأن التحولات لن تقف، ولذلك فإن إعادة قراءة الواقع ووضع السبل لاستدامة التجدد هو ما يحفظ للدولة بقاءها، وللطور استمراره، مما يستدعي قراءة نظام الأسر وطبيعة سياسته للدول، وتقديم الرؤى التي تسلس للإدارة القياد؛ داخلياً وخارجياً، وتقرّب لها دلائل التحول وأهميته والمخاطر التي قد تكتنفه، ولا يكون ذلك إلا بوجود مراكز للدراسات والمتخصصين في مختلف المجالات والمفكرين المنظّرين للتحولات، التي تعدّهم الدولة وتهيئ لهم الدعم والظروف.

  • تاريخ نشر المقال الأصلي: 2022-07-11
  • تاريخ نشر المقال بالمنصة: 2022-12-22
  • رابط المقال الأصلي: انقر هنا