loading
الجبر واللطف الإلهي

المقال.. لا يمتحّ فكرته من البُعد الديني، ولا يغترف لغته من الحقل الاجتماعي، وإنما يضفر رؤيته من النسيج الفلسفي، ولذلك؛ قد تحتاج لغته إلى شيء من التركيز في القراءة والتفهّم في الطرح. لقد تحدثت عن الجبر في الأفكار منذ 12 عاماً، وهي مدة كافية لأن تحدث تحولاً في ذهني، ولكن؛ لأن الموضوع يتعلق بأفكار قابعة في عمق النفس فإن التحول بطيء، ليس لأن العقل حالة أَمْيل للصلابة، بل العكس؛ هو في سيولة دائمة، إلا أن الأفكار الفلسفية -دون سواها تقريباً- تأخذ منحاً منطقياً، وتنتظم في منظومات فكرية؛ بعضها آخذ بحجزة بعض، ولا تُقبِل على التحول إلا بعد مخاض طويل عسير. بيد أن التحول في الأفكار -وإن كان بطيئاً- فحصيلته ذات شأن عميق على النفس؛ سواءً من حيث تأثرها وجدانياً، أو التعديل في أفكارها ومعتقداتها.

المقال.. لا يمتحّ فكرته من البُعد الديني، ولا يغترف لغته من الحقل الاجتماعي، وإنما يضفر رؤيته من النسيج الفلسفي، ولذلك؛ قد تحتاج لغته إلى شيء من التركيز في القراءة والتفهّم في الطرح. لقد تحدثت عن الجبر في الأفكار منذ 12 عاماً، وهي مدة كافية لأن تحدث تحولاً في ذهني، ولكن؛ لأن الموضوع يتعلق بأفكار قابعة في عمق النفس فإن التحول بطيء، ليس لأن العقل حالة أَمْيل للصلابة، بل العكس؛ هو في سيولة دائمة، إلا أن الأفكار الفلسفية -دون سواها تقريباً- تأخذ منحاً منطقياً، وتنتظم في منظومات فكرية؛ بعضها آخذ بحجزة بعض، ولا تُقبِل على التحول إلا بعد مخاض طويل عسير. بيد أن التحول في الأفكار -وإن كان بطيئاً- فحصيلته ذات شأن عميق على النفس؛ سواءً من حيث تأثرها وجدانياً، أو التعديل في أفكارها ومعتقداتها.

رؤيتي حول جبرية الأفكار؛ التي نشرها ملحق «شرفات» بـ«جريدة عمان» في: 9/12/2009م، جاءت حاسمة، وهذا بعض حسمها: (الجبر.. ليس مجرد كائن شبحي قابع في عقولنا، ليوجهنا وفق خارطة الرضوخ الاجتماعي، وإنما هو أيضاً بلدوزر يهشّم كياننا، له قدرة على مطاردتنا تكاد تكون غير محدودة، لا يتركنا حتى ينزل بنا تحت أطباق الأرض. وللجبر قرنان ينطح بهما الإنسان، أحدهما فكري والآخر عملي)، الآن.. هذه الحدّية لامسها شيء من الندى قد يلين صخرة الجبر، والذي أسميه «اللطف الإلهي»، بيد أنه ليس لصالح حرية الإنسان، وإنما إقرار للروح الإلهي الكامن في النفس الإنسانية، والذي يزاحم الجبرية الكونية؛ لا لينقضها، بل ليتكامل معها.

فما الجبرية الكونية؟ وكيف يوجد في قلبها اللطف الإلهي؟

الجبرية الكونية.. هي القول بأن الكون يحكمه قانون واحد أعلى صارم، دال على وجود الله ووحدانيته المطلقة، إذ لا يليق بالله الواحد أن يصدر منه إلا الوحدة، التي لا يمكن أن تتعدد إلا في تمظهرها، وليس في ذاتها، فهو قانون وجودي واحد انبثق منه الكون، ومن الكون انبثقت المجرات، والمجرات احتوت على منظومات نجمية، والنجوم تدور في فلكها الكواكب والأقمار وسائر الأجرام السماوية، وكل جرم هو ذرات هائلة العدد؛ تعمل بقانون واحد، وهو ما سهّل على العلماء أن يكشفوا الغطاء عن ردهات من المجهول، لأن «منطق التماثل» حاضر بقوة في القانون الكوني الواحد.

الكون حي.. بذراته ومجراته، وينقسم إلى عنصرين رئيسين: عضوي هو الكائنات الحية، وغير عضوي هو الجمادات، وهذا تقسيم مدرسي، وإلا فالكائنات أعقد من هذا التبسيط. يأتي الإنسان في أعلى مراتب الكائنات الحية، وقد خلقه الله في أطوار من تراب هذا الكون، أي أنه تحكمه الأنظمة التي انبثقت من القانون الكلي.

لقد وضع الله قانوناً واحداً كلياً حتى لا يتناقض الكون مع بعضه البعض، فالكون.. منذ خَلْقِه الأول هو في نمو وترقٍ، وإلا لو كان فيه قوانين مختلفة لتضاربت فيما بينها، ولدمرته، بل لما تمكنت أجرامه بالأساس من النمو، ولما كنا الآن على وجه هذا الكوكب البسيط. إذاً؛ نحن نلمس اللطف الإلهي في هذه الجبرية الكونية الذي منحنا الحياة، ومنحنا العقل، ومنحنا القدرة على الجدل في كل شيء؛ حتى في الوجود الإلهي ذاته.

السؤال: هذا الكون الذكي المبِهر.. ماذا لو كان طليقاً، غير مفطور على الجبر؟ لا أريد أن أضع هنا جواباً، فكل جواب سيكون محدوداً، ولا يضيف شيئاً إلا بمقدار ما تضيفه القطرة إلى المحيط. إنما الكون نفسه كاشف في كل الأزمنة عن حقيقته المنسجمة مع حركته، وما نراه من «نشوز» في حركة الأجرام والكائنات والذرات، ما هو إلا «طفرة» محسومة الأسباب والمقدمات، دفعت بها جبرية الكون، لتسلمه إلى نتائج؛ هي الأخرى حاسمة، ليواصل الوجود بقاءه بانسجام، فـ«الانتظام» و«النشاز» الكونيان هما حقيقة وجودية دالة على اللطف الإلهي في رعايته الكاملة للكون.

فلنمضِ مع هذه الجبرية في طريقها اللاحب؛ المقال.. لا ينطلق من تصور ديني تحدده المعتقدات، والتي لها كذلك منطقها في محاسبة الناس على ما يختارون في الحياة وما يذرون، بحيث أصبحت لديهم «قضية التسيير والتخيير» حالة جدل دائم، بل صراعاً، حُكِم لدى المسلمين بـ«معتقد الفرقة الناجية» على إيمان كل طرف. يبدو الإنسان كأنه يملك حرية الاختيار، لكن؛ لننظر في حقيقة هذه الحرية، ولننظر كذلك أين يوجد اللطف الإلهي، ولن أذهب بعيداً في باطن انبثاق الكون ومساره الطويل غير المُبصَر منه إلا نقاطاً معدودة في بحر لجي من العماء، وليكن الحديث سهل المنال للقارئ بمثال عن «زيد».

نعلم.. بأنه لو لم يتعاشر والدا زيد في لحظة محددة لما جاء إلى الحياة، وهذا يعني أن وجوده بالنسبة له جبر، لكنه؛ جبر أتاح له أن يرى الحياة ويعيشها، هذه اللحظة هي ما أسميها باللطف الإلهي. ومشكلة العقل.. أنه يحسب المحنة من هذا الوجود الجبري، وما يصيب الإنسان فيه من مكابدة، ولا يحسب المنحة منه. لا أنكر وجود المعاناة، وهي أبيّن من نكرانها، لكن؛ المعاناة ذاتها تقتضي ألطافاً للجنس البشري، بل ولما حوله من الكائنات، وأبعد من ذلك للكون كله، فكما أن الكون مترابط في الجبر؛ هو كذلك متآصر في اللطف الإلهي، فما نراه من موت كوكب هو حياة لكوكب آخر، وما نحسبه انقراض كائن قد يكون بدء ولادة كائن آخر، سيظهر ولو بعد حين من الدهر، وهكذا؛ هو كون واحد يحكمه لطف كلي، لا يمكننا إغماض العين عن شيء من مفرداته.

زيد.. محكوم بثنائية الخير والشر، وهي ثنائية متجذرة في ذهن الإنسان، وإن اختلف الناس في تفسير مفهومها، وهذه لها كلام آخر؛ واقع في حركة الاجتماع البشري. والذي أقصده.. أن هذه الثنائية هي الأخرى جبر، فزيد.. ما كان ليرتكب جريمة ما لولا وجوده الأولي؛ أي ولادته المُجبَر عليها، لأنه لن يكون موجوداً بالأساس. ثم إن الأوضاع الاجتماعية التي عاشها زيد من تربية وتعليم ومجتمع وسياسة وفقر وغنى ونحوه، هو ما أوصله إلى هذا الحال، ولا يكفي أن نبرر الحالة بأنها رغبة نفسية شريرة فقط، فلماذا هو من ارتكب الجريمة دون غيره، لولا أن هناك مقدمات حملته على ارتكابها، ولذلك؛ تقوم فلسفة السجون الآن على الإصلاح وليس العقاب، ومع هذا؛ سنجد أن ارتكابه للجريمة فيه لطف إلهي لمسير الحياة عموماً، لو لم تحدث لأخذ جانب من الحياة مساراً آخر، وبالتتابع تؤثر المسارات على بعضها البعض.

وبهذا تظهر ثنائية الخير والشر التي تهيمن على ذهن الإنسان؛ بأنها أمر حتمي، حتى تمضي الحياة لأداء الأدوار التي يقتضيه وجودها. إن كل حركة من حركات الوجود تمضي بقانون واحد محدد؛ يحكمه الجبر ويدبّره اللطف الإلهي. وهكذا؛ نرى أن تلك الجبرية التي قررتُها منذ زمن قد لانت قليلاً، دون أن تفقد حتميتها، وإنما علينا أن نرى فيها الحضور الإلهي. أما بدون ذلك فهي جبرية مجدبة للكون وجارحة للشعور الإنساني، بل ومربكة للمعتقد الديني الذي يجعل كل شيء بيد الله؛ دون أن يتمكن المتدين من تلطيف هذا المعتقد؛ إلا بمعتقد آخر معاكس له، وهو أن الإنسان حر يملك القدرة على خلق أفعاله، وهذه قضية أخرى في الفكر الإسلامي؛ أحد أطرافها المعتزلة وطرفها الآخر عموم المسلمين. ولكن؛ عندما نسبر المسألة بعيداً عن هذه المعتقدات المرهقة ذهنياً، نجد أن اللطف الإلهي فعلاً يلطّف من جبرية القانون الكوني، وهو لطف كامن في عمق هذا القانون، وليس خارجاً عنه.

  • تاريخ نشر المقال الأصلي: 2022-07-04
  • تاريخ نشر المقال بالمنصة: 2022-12-22
  • رابط المقال الأصلي: انقر هنا